أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
504
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
وإن كنت ذا علم ولم تك عاملا * فأنت كذى نعل وليس به رجل جوادك مسبوق إلى كل غاية * وهل ذو جواد ريء يسبقه البغل وقد ذيلتها ببيت تكميلا للأقسام فقلت : وإن كنت ذا علم وحال وهمّة * جوادك سباق يصح له الوصل فإذا حصل المريد ما يحتاج إليه في بدايته من إتقان طهارته وصلاته وصومه ، فليشتغل بطاعة ربه ، ويعرض عما يشغله عنه ، كما أبان ذلك بقوله : 267 - والمشتغل به هو الذي أحببته وسارعت إليه ، والمشتغل عنه هو المؤثر عليه . قلت : أل موصولة في الموضعين : أي الذي تشتغل به في جميع أوقاتك وتصرف إليه كليتك هو الحبيب الذي تسارع إليه ، وأفضل أشغالك ذكره ، وليكن ذكرا واحدا وقصدا واحدا تبلغ مرادك إن شاء اللّه ، والذي تشتغل عنه : أي تغيب عنه هو المؤثر عليه بفتح الثاء : أي هو الذي تركته وآثرت حب اللّه عليه . والحاصل : أن الذي تشتغل به وتقصده هو الذي أحببته وسارعت إليه ، والذي تغيب عنه هو الذي تركته وآثرت حب اللّه عليه ، فلا جرم أن اللّه يبلغك ما تريد : « إنّ اللّه يرزق العبد على قدر همته « 1 » » ، وأنشدوا : إذا العبد ألقى بين عينيه عزمه * وأعرض عن كل الشواغل جانبا فقد زال عنه العار بالعزم جالبا * عليه قضاء اللّه ما كان جالبا وقيل : إن علامة الصادق ألا يرضى بدون الغاية أبدا مع أن الغاية لا تدرك أبدا . وقال الفضيل : من رأيتموه وكلامه حكمة ، وصمته فكرة ، ونظره عبرة فلا تهتموا منه ، فإنه قد قطع عمره في عبادة ، وسلوكه أبدا في زيادة ، ومن رأيتموه يطيل الأمل ، ويسيء العمل ، فاعلموا أن داءه عضال انتهى . وأعظم ما يشتغل عنه المريد ويغيب عنه حب الدنيا فإنه سم قاطع ، ولا يمكن السير إلى اللّه إلا بصفاء القلوب مع بقاء شيء منها ، وقليلها ككثيرها .
--> ( 1 ) رواه ابن عدي في الكامل ( 4 / 184 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 10 / 73 ) .